الجمعة، 26 نوفمبر 2010

رفع الدعم وزيادة الفقر

رفع الدعم وزيادة الفقر

في العام الجاري خرجت «الوسط» على صدر صفحتها الأولى بصورةٍ لمخبزٍ بلدي، خفِي مغزاها على الكثيرين.
كانت الصورة خروجاً غير مألوف على القالب التقليدي للمانشيتات المحلية، ما حمل القارئ على البحث عن سرّ هذه الصورة، حتى ظن أن وراءها قصةً خبريةً عن هؤلاء العمال الكادحين.
الصورة كانت للتعبير عمّا ستنتهي إليه سياسة رفع الدعم الحكومي عن المحروقات، من إشعال نار الأسعار، التي ستبدأ برفع سعر النفط والكيروسين، ولن تنتهي عند رفع سعر الرغيف الذي يشكّل المادة الأولى في وجبتين رئيسيتين يومياً لدى أغلب المواطنين والمقيمين.
كانت الحكومة تحوم حول الحمى وتطلق بالونات اختبار، وهو ما أثار الرأي العام والصحافة والنواب. حينها نظّم التحالف السداسي الذي يشكّك بعضهم في فعاليته هذه الأيام، مسيرةً وسط المنامة نجحت في إيقاف القرار. المسيرة ضمت بضعة آلاف، وكان لافتاً فيها حضور النساء، ورفعت شعار «إلا لقمة العيش»، مع ذلك تعرّضت للتشنيع على أيدي الأطراف التي تعتاش على آلام وجوع الفقراء.
اليوم تجري إعادة المحاولة مرةً أخرى، مع نصائح مغشوشة يقدّمها بعض التابعين والتابعات، بضرورة تغيير الشعار من «رفع سعر النفط» الذي يصدم الناس، إلى «إعادة توزيع الدعم ووصوله لمستحقيه»، لإقناع بعضهم بأنه سيصب في مصلحتهم... وكأن المسألة لعبُ أطفالٍ أو تلاعبٌ بالكلمات.
إن رفع الدعم بهذه الصورة، وفي هذا الظرف، لن يؤدي إلا إلى زيادة رقعة الفقر في البلاد، وتوسيع دائرة الفقراء. كأن وجود 13 ألف أسرة تتلقى المعونات الشهرية من وزارة التنمية الاجتماعية لا يكفي، فنعمل على زيادتها بدل تحقيق الشعار الذي رفعناه بمحاربة الفقر، ضمن أهداف الألفية.
إن من يتحدثّون عن فوائد ومزايا وعظمة قرار رفع الدعم الحكومي عن السلع هذه الأيام، إما أن يكونوا خادعين أو مخدوعين، وفي كلتا الحالتين سيكون المتضرّر هو السواد الأعظم من الشعب. فمثل هذا القرار إنما سيزيد رقعة الفقر ويضاعف معاناة عشرات الآلاف من المواطنين وحتى المقيمين، وخصوصاً في مجال تحصيل لقمة العيش، حيث سيغدو انتزاع الرغيف مشكلةً يوميةً مؤرقةً.
كالعادة، ستظهر فئة المجنّدين للدفاع عن أي قرار حكومي، بغضّ النظر عن آثاره المدمرة على حياة الناس، فكما دافعوا عن السياسات الإسكانية الخاطئة، سيقدّمون التنظيرات الباردة لتبرير هذا القرار الخاطئ من حيث الزمان والمكان والأركان.
في السبعينيات، وفي ظلّ السجال العقائدي المحتدم آنذاك بين التيارات الفكرية، كان أحد أكبر مآخذ الإسلاميين على النظرية الشيوعية أنها تساوي الناس في الفقر، بدل العمل على إغناء الناس وزيادة أعداد الموسرين. وهذا القرار أقرب ما يكون لهذه النزعة غير السوية في توسعة رقعة الفقر وزيادة إفقار البشر، مع دخول هذه الحقبة التي تتخلّى فيها دولةٌ نفطيةٌ عن أحد أهم التزاماتها تجاه المواطن، بضمان حدٍّ معقولٍ من مستوى المعيشة، في محيط خليجي مرفّه.
من الواجب القول إن القرار لن يقتصر ضرره على الطبقات الدنيا، وإنّما سيطال أغلب شرائح الطبقة الوسطى التي تتعرض للتآكل اقتصادياً، وللضغوط سياسياً، لتتحوّل إلى كتلةٍ هشّةٍ مشلولة الإرادة. فإذا تكلّمنا عن دور هذا القرار السلبي في زيادة رقعة الفقر فإننا لا نتكلّم عن فراغ.


قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3001 - الأربعاء 24 نوفمبر 2010م الموافق 18 ذي الحجة 1431هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق